الشيخ محمد هادي معرفة

259

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

القرآن في تشريعاته الراقية قد أسلفنا أنّ تشريعات القرآن جاءت متوافقة مع الفطرة السليمة ومتلائمة مع العقل الرشيد ، لاتشوهها نزعات بشرية هابطة ولا تكدرها خسائس إنسانية مبتذلة . « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » . « 1 » وقد ثبت في علم الكلام أنّ الأحكام الشرعية ألطاف في الأحكام العقلية . ومعنى ذلك أنّ ما حكم به الشرع فقد حكم به العقل ، أي إنّما يحكم الشرع بما كان العقل حاكما بذاته لو خلّي وطبعه . قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : إنّما جاء الأنبياء ليثيروا دفائن العقول . أي ليبدوا ما كان مختبئا في زوايا العقول . قال عليه السلام : « فبعث فيهم رُسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسيَّ نعمته ، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ . ويثيروا لهم دفائن العقول » . « 2 » وهكذا ذكر الإمام الكاظم موسى بن‌جعفر عليه السلام : إنّ للّه حجّتين ، حجّة ظاهرة وحجّة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة عليهم السلام ، وأمّا الباطنة فالعقول . « 3 »

--> ( 1 ) - الروم 30 : 30 . ( 2 ) - نهج البلاغة : الخطبة الأولى ، ص 43 . ( 3 ) - الكافي ، ج 1 ، ص 16 ، ح 12 من كتاب العقل .